الشيخ محمد هادي معرفة
372
تلخيص التمهيد
من ذلك قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » « 1 » . كانوا سألوا عن الهلال ما باله يبدو دقيقاً ثم لا يزال يزداد حجماً حتى يكتمل بدراً ، ثم يعود شيئاً فشيئاً حتى يصير كما بدأ ؟ فأجيبوا : بما في الآية تنبيهاً على أنّ الذي ينفعهم وهو أهمُّ بحالهم ، ويكون وفق إدراكهم هو هذا ، لا الذي سألوه . وقوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » « 2 » . سألوا عن الذي ينفقونه ، فأجيبوا ببيان مصارف الإنفاق ، تنبيهاً على أنّ المهمّ هو معرفة موضع الإنفاق ، أمّا الذي يجب أن ينفق فهو خير ما تيسّر ، من أيّ جنس كان ، لأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلّاأن تقع موقعها ، وكلّ ما فيه خير وصلاح فهو صالح للإنفاق . ومن ثم ختمت الآية بنوايا صاحب الإنفاق وأنّ اللَّه عليم بذات الصدور . « 3 » الاستدراج وسمّاه بعضهم « مجاراة الخصم » ليعثر ، بأن يسلّم له بعض مقدّماته حيث يراد تبكيته وإلزامه ، كمن يجاري الصيد ليستولي عليه ويقبضه . قال ابن معصوم : هو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته وإفحامه ، وهو من مخادعات الأقوال والتصرّفات الحسنة التي هي من السحر الحلال ، حيث يُسمعه الحقّ على وجه لا يُغضبه .
--> ( 1 ) . البقرة : 189 . ( 2 ) . البقرة : 215 . ( 3 ) . راجع أنوار الربيع : ج 2 ص 209 و 210 .